ابراهيم بن عمر البقاعي
309
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المجنون تخليط ، كان كأنه قال في جوابهم : إنه لم يجئ بشرع ولا بجنون : بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ أي الكامل في الحقية . ولما كان ما جاء به أهلا لكونه حقا لأن يقبل وإن خالف جميع أهل الأرض ، وكان موافقا مع ذلك لمن تقرر صدقهم واشتهر اتباع الناس لهم ، فكان أهلا لأن يقبله هؤلاء الذين أنزلوا أنفسهم عن أوج معرفة الرجال بالحق إلى حضيض معرفة الحق على زعمهم بالرجال ، فكان مآل أمرهم التقليد قال : وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ * أي الذين علم كل ذي لب أنهم أكمل بدور أضاء اللّه بهم الأكوان في كل أوان ، وتقدم في آخر سورة فاطر أنهم عابوا من كذبهم وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ أحد منهم ليؤمنن به فكذبوا بأن كذبوا سيدهم بهذا الكلام المتناقض . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 38 إلى 45 ] إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ ( 38 ) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 39 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ( 41 ) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ( 42 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 43 ) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ( 44 ) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 ) . ولما وصلوا إلى هذا الحد من الطغيان ، والزور الظاهر والبهتان ، تشوف السامع إلى جزائهم فاستأنف الإخبار بذلك مظهرا له في أسلوب الخطاب إيذانا بتناهي الغضب ، فقال في قالب التأكيد نفيا لما يترجونه من العفو بشفاعة من ادعوا أنهم يقربونهم زلفى ، ووعظا لهم ولأمثالهم في الدنيا فيما ينكرونه حقيقة أو مجازا : إِنَّكُمْ أي أيها المخاطبون على وجه التحقير المجرمين لَذائِقُوا أي بما كنتم تضيقون أولياء اللّه الْعَذابِ الْأَلِيمِ * . ولما كان سبحانه الحكم العدل فلا يظلم أحدا مثقال ذرة فلا يزيد في جزائه شيئا على ما يستحق مع أن له أن يفعل ما يشاء ولا يكون فعله - كيفما كان - إلا عدلا قال : وَما أي والحال أنكم ما تُجْزَوْنَ أي جزءا من الجزاء إِلَّا ما أي مثل ما . ولما كانوا مطبوعين على تلك الخلال السيئة ، بين أنها كانت خلقا لهم لا يقدرون على الانفكاك عنها بالتعبير بأداة الكون فقال : كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * نفيا لوهم من قد يظن أنهم فعلوا شيئا بغير تقديره سبحانه . ولما كان في المخاطبين بهذا من علم اللّه أنه سيؤمن ، واستثنى من واو « ذائقوا » قوله مرغبا لهم في الإيمان مشيرا إلى أنهم لا يحملهم على الثبات على ما هم عليه من الضلال إلا غش الضمائر بالرياء وغيره ، فهو استثناء متصل بهذا الاعتبار الدقيق : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ فرغبهم بوصف العبودية الذي لا أعز منه ، وأضافهم زيادة في الاستعطاف إلى الاسم الأعظم الدال على جميع صفات الكمال ،